أحمد بن عبد المؤمن بن موسى القيسي الشريشي
60
شرح مقامات الحريري
ونصل بهذا النّمط ، ما قيل في نبيذ الزبيب ، قال أبو الأسود الدؤليّ : [ الطويل ] دع الخمر يشربها الغواة فإنّني * رأيت أخاها مغنيا بمكانها « 1 » فإن لا يكنها أو تكنه فإنّه * أخوها غذته أمّه بلبانها يقول : إن لا يكن الزبيب الخمر أو الخمر الزبيب ، فإنهما أخوان غذيا بلبن واحد وهي الحبة التي هي أصل العنب والزبيب ؛ فأحدهما ينوب مناب الآخر ، وأنشد الحامضي : [ الطويل ] تركت الحميّا لست أختار شربها * وما حاجتي في أن أسرّ الأعاديا ولكنّ أخرى من نبيذ معتق * يمنّيك إن أكثرت منه الأمانيا أخو الخمر من عنقودها غير أنهم * إذا قطعوها جفّفوه لياليا وقال المأمون : نقلت هذا المعنى بأبيات ملوكية لا تحضر السوقة بمثلها : [ الوافر ] صلّى النّدمان يوم المهر جان * بكأس من معتّقة الدّنان بكأس خمر وإنّي عتيق * فإنّ العبد عبد خمرواني وجنبنّي الزّبيبين طرّا * فشأن ذوي الزّبيب خلاف شأني فأشربها وأزعمها حراما * وأرجو عفوا ربّ ذي استنان ويشربها ويزعمها حلالا * وتلك على الشّقيّ خسارتان سأل رجل شريحا القاضي : هل النبيذ حلال أم حرام ؟ فقال : حلال ، قال : قليله خير أم كثيره ؟ قال : قليلة ، قال الرجل : ما رأيت حلالا وقليله خير من كثيره إلا هذا . وقال قتيبة بن مسلم لقاضي مرو : بلغني أنك شربت النبيذ ، قال : نعم أصلحك اللّه ! أشرب منه ما يسلّي العقل ويطيب النفس ، ويغني عن الماء ، ويهضم الطعام ، قال : فما أبقيت ؟ قال : أبقيت أخبثه وأردأه ، الاتّكاء على الشمال ، ومنادمة الرجال ، والاختلاف إلى المبال . وترك رجل النبيذ فقيل له : لم تركته وهو رسول السرور إلى القلب ؟ قال : ولكنه بئس الرسول لم يبعث إلى الجوف فيذهب إلى الرأس . * * *
--> ( 1 ) البيتان في ديوان أبي الأسود الدؤلي ص 162 ، 306 ، والبيت الأول في لسان العرب ( كون ) ، وتاج العروس ( كون ) ، وبلا نسبة في المخصص 13 / 219 ، والبيت الثاني في أدب الكاتب ص 407 ، وإصلاح المنطق ص 297 ، وتخليص الشواهد ص 92 ، وخزانة الأدب 5 / 327 ، 331 ، والرد على النحاة ص 100 ، وشرح المفصل 3 / 107 ، والكتاب 1 / 46 ، ولسان العرب ( كون ) ، ( لبن ) ، والمقاصد النحوية 1 / 310 ، وبلا نسبة في الإنصاف 2 / 823 ، وشرح الأشموني 1 / 53 ، والمقتضب 3 / 98 ، والمقرب 1 / 96 .